🚘

أحكام القرآن - ج ٣

أبي بكر محمّد بن عبدالله [ ابن العربي ]

أحكام القرآن - ج ٣

المؤلف:

أبي بكر محمّد بن عبدالله [ ابن العربي ]


المحقق: علي محمّد البجاوي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الجيل
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

سورة يونس

[فيها من الآيات ست]

الآية الأولى ـ قوله تعالى (١) : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ).

فيها ست مسائل :

المسألة الأولى ـ قوله : (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) : في تفسيره قولان :

أحدهما ـ أنّ البرّ هو الأرض اليابسة ، والبحر هو الماء.

الثاني ـ أن البرّ الفيافي ، والبحر الأمصار ، وإنما يكون تفسير كلّ واحد منهما بحسب ما يرتبط به من قول مقدم له أو بعده ، كقوله هاهنا : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة. فهذا نصّ بيّن في أنّ المراد بالبحر غمرة الماء ، وقرينتها المبينة لها قوله : حتى إذا كنتم في الفلك ، وقوله : (٢) (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ) ، فقوله: (مِنَ الْفُلْكِ) هو للبحر. وقوله : (الْأَنْعامِ) هو للبر.

المسألة الثانية ـ قرئ (يُسَيِّرُكُمْ) بالياء والسين المهملة ، وننشركم بالنون والشين المعجمة ، وأراد اليحصبى (٣) يبسطكم برّا وبحرا ، وأراد غيره من السير ، وهو الذي أختاره.

المسألة الثالثة ـ في هذه الآية جواز ركوب البحر ، وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح من طريقين :

__________________

(١) آية ٢٢.

(٢) سورة الزخرف ، آية ١٢.

(٣) اليحصبى ـ بفتح الياء وسكون الحاء وكسر الصاد المهملة ، وقيل بضمها وكسر الباء الموحدة. وفي القرطبي : أى يبثكم ويفرقكم

٣

روى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له : إنّا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال : هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته.

وروى أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمّ حرام بنت ملحان ، فنام عندها ، ثم استيقظ وهو يضحك ، فقالت له : ما يضحك يا رسول الله؟ قال : ناس من أمّتى عرضوا علىّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج (١) هذا البحر ملوكا على الأسرة ، أو مثل الملوك على الأسرة. قالت : فادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها ، ثم وضع رأسه فنام ، ثم استيقظ يضحك ، فقالت : يا رسول الله ، وما يضحك؟ قال : ناس من أمّتى عرضوا علىّ غزاة في سبيل الله ملوكا على الأسرة ، أو مثل الملوك على الأسرة ، كما قال في الأولى. قالت : فقلت : ادع الله أن يجعلني منهم. قال : أنت من الأولين ... الحديث.

ففي هذا كلّه دليل على جواز ركوب البحر ، ويدلّ عليه من طريق المعنى أنّ الضرورة تدعو إليه ، فإنّ الله ضرب به وسط الأرض ، فانفلقت ، وجعل الخلق في العدوتين ، وقسّم المنافع بين الجهتين ، ولا يوصل إلى جلبها إلا بشقّ البحر [لها] (٢) ، فسهّل الله سبيله بالفلك ، وعلّمها (٣) نوحا صلى الله عليه وسلم وراثة في العالمين بما أراه جبريل ، وقال له : صوّرها على جؤجؤ (٤) الطائر ، فالسفينة طائر مقلوب ، والماء في استفاله للسفينة نظير الهواء في اعتلائه.

المسألة الرابعة ـ أما القرآن فيدل على جواز ركوب البحر مطلقا ، وأما (٥) الحديثان اللذان جلبناهما فيدلّ حديث أبى هريرة على جواز ركوب البحر مطلقا. وأما حديث أنس فيدل على جواز كونه في الغزو ، وهي رخصة من الله أجازها مع ما فيه من الغرر (٦) ، ولكن الغالب منه السلامة ، لأن الذين يركبونه لا حاصر لهم ، والذين يهلكون فيه محصورون.

__________________

(١) ثبج البحر : وسطه ومعظمه.

(٢) من م.

(٣) في م : وحملها. وفي ل مثل ا.

(٤) جؤجؤ الطائر : صدره.

(٥) في م : وأما حديث ما فيه من الغرر.

(٦) غرر بنفسه : عرضها للهلكة ، والاسم الغرر.

٤

المسألة الخامسة ـ قوله صلى الله عليه وسلم : «ملوكا على الأسرّة».

فيه قولان :

أحدهما ـ يركبون ظهره على الفلك ركوب الملوك الأسرة على الأرض.

الثاني ـ يركبون الفلك لسعة الحال والملك كأنّهم أهل الملك.

ويعارض هذا قوله تعالى (١) : (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ). فإن النبىّ صلى الله عليه وسلم وصف هؤلاء بالملك (٢) ووصف الله هؤلاء بالمسكنة.

ومن هذه المعارضة فرّ قوم فقالوا : إنّ القراءة فيها : أما السفينة فكانت لمسّاكين ـ بتشديد السين.

وقال قوم : إنما وصفهم بالمسكنة لما هم عليه من عدم الحول والقوّة في البحر وضعف الحيلة فيه أيضا ، فإن من أراد أن يعلم أنّ الحول والقوة لله عيانا فليركب البحر.

وحقيقة المعنى فيه أنّ مسكنتهم كانت لوجهين :

أحدهما ـ لدخولهم البحر.

والثاني ـ أنه (٣) لم يكن لهم مال ولا ملك إلا السفينة ، وهم لا يركبون البحر بالعدد والعدّة ، والعزم والشدّة ، يقصدون الغلبة ، وهذه حالة للملك (٤).

وقد روى أنّ عمر كان يتوقّف في ركوب البحر للمسلمين ، لما كان يتوهّم فيه من الغرر ، إذ لم يره إلا لضرورة كما ركبه المهاجرون إلى الحبشة للضرورة أولا وآخرا ، أما الأوّل ففي الفرار من نكاية المشركين ، وأما الآخر فلنصر النبىّ صلى الله عليه وسلم والكون معه.

المسألة السادسة ـ إذا حصل المرء في ارتجاج البحر وغلبته وعصفه وتعابس أمواجه فاختلف العلماء في حكمه ، وقد تقدم شرحه في سورة الأعراف.

الآية الثانية ـ قوله تعالى (٥) : (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).

__________________

(١) سورة الكهف ، آية ٨٠.

(٢) في ل : بالملوك ، وم مثل ا.

(٣) في ل ، م : أنهم.

(٤) في ل : المملكة.

(٥) آية ١٠.

٥

فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ـ تفسير التحية ، وفيها ثلاثة أقوال :

الأول ـ أنها الملك.

الثاني ـ أنها البقاء ، قال المعمر (١) :

أبنى إن أهلك فإ

نّى قد تركت لكم بنيّه

وتركتكم أولاد سا

دات زنادكم وريّه

ولكلّ ما نال الفتى

قد نلته إلا التحيّه

يعنى البقاء.

الثالث ـ [أنها] (٢) السلام.

المسألة الثانية ـ في تفسيرها قولان :

الأولى ـ أن الملك يأتيهم بما يشتهون فيقول لهم : سلام عليكم ، أى سلمتم ، فيردّون عليه ، فإذا أكلوه قالوا : الحمد لله رب العالمين.

الثاني ـ أن معنى تحيتهم تحية بعضهم بعضا ، فقد ثبت في الخبر كما بينا أن الله خلق آدم ، ثم قال له : اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلّم عليهم ، فجاءهم فقال : سلام عليكم ، فقالوا له : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته : فقال له : هذه تحيتك وتحية ذريتك إلى يوم القيامة ، وبيّن (٣) في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنة ، فهي تحية موضوعة من ابتداء الخلقة (٤) إلى غير غاية.

وقد روى ابن القاسم ، عن مالك في قول الله : تحيتهم فيها سلام ، أى هذا السلام الذي بين أظهركم تتقابلون به.

والقولان محتملان ، وهذا أظهر ، لأنه ظاهر القرآن. والله أعلم.

الآية الثالثة ـ قوله تعالى (٥) : (فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ).

__________________

(١) في ا : المعتز ، وهو تحريف ، والأبيات في اللسان ـ مادة حيي.

(٢) من ل.

(٣) في ا : ليس.

(٤) في ل : الخليقة. وفي م : الخلق.

(٥) آية ٣٢.

٦

فيها أربع مسائل :

المسألة الأولى ـ في تفسير (الْحَقُ).

وقد مهدناه في كتاب الأمد الأقصى في تسمية الباري (١) تعالى [به] (٢). ولبابه أنّ الحقّ هو الوجود ، والوجود على قسمين : وجود حقيقى ، ووجود شرعي. فأما الوجود الحقيقي فليس إلا لله وصفاته ، وعليه جاء قوله صلى الله عليه وسلم : أنت الحق ، وقولك الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق. فأما الله وصفاته فوجودها [هو] (٣) حق ، لأنه لم يسبقها عدم ، ولا يعقبها فناء. وأما لقاء الله فهو حق سبقه عدم ، ويعقبه مثله. وأما الجنة والنار فهما حقّان ، سبقهما عدم ، ولا يعقبهما فناء ، لكن ما فيها من أنواع العذاب أعراض. وأما الوجود الشرعي فهو الذي يحسنه الشرع ، وهو واجب وغير واجب.

المسألة الثانية ـ في تحقيق معنى الباطل : وهو ضدّ الحق ، والضدّ ربما أظهر حقيقة الضد ، فإذا قلنا : إنّ الله هو الحق حقيقة ، فما سواه باطل ، وعنه عبر الذي يقول (٤) :

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

وإن قلنا : [إنّ] (٥) الحقّ هو الحسن شرعا فالباطل هو القبيح شرعا ، ومقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا ، كما قال سبحانه وتعالى (٦) : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ). كما أنّ مقابلة الحق بالضلال عرف أيضا لغة وشرعا ، كما قال الله تعالى في هذه الآية : (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) ، وقد بيّن حقيقة الحق. فأما حقيقة الضلال ، وهي :

المسألة الثالثة ـ فهو الذهاب عن الحق ، أخذ من ضلال الطريق ، وهو العدول عن سمت القصد ، وخصّ في الشرع بالعبارة عن العدول عن السداد في الاعتقاد دون الأعمال.

__________________

(١) في ل : تسمية الله تعالى به.

(٢) من م.

(٣) ليس في ل.

(٤) من قول لبيد. وتمامه ـ كما في الديوان (٢٥٦) :

وكل نعيم لا محالة زائل

(٥) من م.

(٦) سورة الحج ، آية ٦٢.

٧

ومن غريب أمره أنه يعبّر به عن عدم المعرفة بالحق إذا قابله غفلة ، ولم يقترن بعدمه جهل أو شكّ ، وعليه حمل العلماء قوله (١) : (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى). الذي حققه قوله(٢) : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ).

المسألة الرابعة ـ روى عبد الله بن عبد الحكم ، عن أشهب ، عن مالك ، قال : يقول الله : فماذا بعد الحق إلا الضلال. فاللعب بالشّطرنج والنّرد من الضلال.

وروى يونس ، عن أشهب قال : سئل ـ يعنى مالكا ـ عن اللعب بالشطرنج قال : لا خير فيه ، وليس بشيء وهو من الباطل ، واللّعب كلّه من الباطل ، وأنه ينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء : أما تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم : فمكثت زمانا وأنا أظنّ أنها ستنهانى. فقيل لمالك لما كان عمر لا يزال يقول فيكون. فقال : نعم [في رأيى] (٣). وروى يونس عن ابن وهب عن مالك أنه سئل عن الرجل يلعب مع امرأته في بيته. فقال مالك : ما يعجبني ذلك ، وليس من شأن المؤمنين اللعب ، يقول الله : (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) ، وهذا من الباطل.

وروى مخلد بن خداش ، عن مالك أنه سئل عن اللعب بالشطرنج قال : (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) رواه (٤) عبد العزيز الجهني ، قال : قلت لمالك بن أنس : أدعو الرجل لعبثى. فقال مالك : أذلك من الحق؟ قلت : لا. قال : فماذا بعد الحق إلا الضلال.

قال القاضي الإمام : هذا منتهى ما تحصّل لي من ألفاظ مالك في هذه المسألة ، وقد اعترض بعض المتقدمين عليه من المخالفين ، فقال : ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ ما بعد الله هو الضلال ، لأن أوّلها (فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) ، فهذا في الإيمان والكفر ، يعنى ليس في الأعمال.

وأجاب عن ذلك بعض علماء المتقدمين ، فقال : إنّ الكفر تغطية الحق ، وكلّ ما كان من غير الحق يجرى هذا المجرى. هذا منتهى السؤال والجواب.

__________________

(١) سورة الضحى ، آية ٧.

(٢) سورة الشورى ، آية ٥٢.

(٣) ليس في م.

(٤) في ل : وروى.

٨

وتحقيقه أن يقال : إنّ الله أباح وحرّم ، فالحرام ضلال ، والمباح هدى ، فإن كان المباح حقا ـ كما اتفق عليه العلماء ـ فالشطرنج من المباح ، فلا يكون من الضلال ، لأنّ من استباح ما أباح الله لا يقال له ضالّ ، وإن كان الشطرنج خارجا من المباح فيفتقر إلى دليل ، فإذا قام الدليل على أنه حرام فحينئذ يكون من الضلال الذي تضمّنته هذه الآية ، وقد قدمنا القول فيه ، وأنّ قول الشافعية إنه يخالف النرد ، لأن فيه إكداد الفهم ، واستعمال القريحة ، والنّرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه ، كالاستقسام بالأزلام.

وقال علماؤنا : إنّ الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(١) : من لعب بالنرد شير فقد غمس يده في لحم الخنزير ودمه ـ يوجب النهى عن الشطرنج ، لأنّ الكلّ يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، والفهم يكدّ في كل واحد منهما وإن تفاضلا فيه.

وأما لعب الرجل مع امرأته بالأربع عشرة فالممتنع لا تفترق فيه المرأة تكون للرجل ولا الأجنبى منه ، كما لا يجوز له أن يلعب معها بالنرد شير لعموم النهى فيه ، والأربع عشرة قمار مثله.

وأما الغناء فإنه من اللهو المهيّج للقلوب عند أكثر العلماء ، منهم مالك بن أنس ، وليس في القرآن ولا في السنة دليل على تحريمه.

أما أن في الحديث الصحيح [دليلا على] (٢) إباحته ، وهو الحديث الصحيح أن أبا بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان حاديتان (٣) من حاديات الأنصار ، تغنيان بما تقاولت الأنصار به يوم بعاث ، فقال أبو بكر : أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله : دعهما يا أبا بكر ، فإنه يوم عيد ، فلو كان الغناء حراما ما كان في بيت رسول الله ، وقد أنكره أبو بكر بظاهر الحال ، فأقرّه النبىّ صلى الله عليه وسلم بفضل (٤) الرخصة والرفق بالخليقة في إجمام القلوب ، إذ ليس جميعها يحمل الجدّ دائما. وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يوم عيد يدلّ على كراهية دوامه ، ورخصته في الأسباب كالعيد ، والعرس ، وقدوم الغائب ، ونحو ذلك من المجتمعات التي تؤلف بين المفترقين والمفترقات عادة.

__________________

(١) صحيح مسلم : ١٧٧٠.

(٢) من ل.

(٣) في ل : من جواري الأنصار.

(٤) في ا : بفعل.

٩

وكلّ حديث يروى في التحريم أو آية تتلى فيه فإنه باطل سندا ، باطل معتقدا ، خبرا وتأويلا ، وقد ثبت أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم رخّص في الغناء في العيدين (١) ، وفي البكاء على الميت من غير نوح من حديث ثابت بن وديعة.

الآية الرابعة ـ قوله سبحانه وتعالى (٢) : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً ، قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).

وهي دليل على أن التحريم والتحليل لا يكونان عقلا ولا تشهّيا (٣) ، وإنما المحرّم والمحلل هو الله حسبما تقدم في سورة الأنعام في مثل هذه الآية.

الآية الخامسة ـ قوله تعالى (٤) : (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

فيها مسألتان :

المسألة الأولى ـ في تفسيرها قولان :

أحدهما ـ أنها بشرى الله لعباده بما أخبرهم به من وعده الكريم ، في قوله (٥) : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). (وَبَشِّرِ (٦) الَّذِينَ آمَنُوا). وقوله (٧) : (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ). ونظائره.

الثاني ـ ما روى ابن القاسم وغيره ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه في هذه الآية ـ قال : هي الرؤيا الصالحة ، يراها الرجل الصالح أو ترى له. قال رجل من أهل مصر : سألت أبا الدرداء عن قوله سبحانه : (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) فقال : ما سألنى عنها أحد منذ سألت رسول الله عنها ، سألت رسول الله عنها ، فقال : ما سألنى أجد عنها غيرك منذ أنزلت ، فهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له.

وروى عن أبى هريرة وابن عمر وطلحة ، ولم يصح منها طريق ولكنها حسان.

المسألة الثانية ـ والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الباب : الرؤيا الصالحة يراها

__________________

(١) في ل : في العرس.

(٢) آية ٥٩.

(٣) في ا : تشبيها.

(٤) آية ٦٤.

(٥) سورة البقرة ، آية ٢٣.

(٦) آية ٢٥ من سورة البقرة.

(٧) سورة البقرة ، آية ٢١.

١٠

الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. والحديث صحيح ، ومعناه بديع ، قد تكلمنا عليه في موضعه من شرح الحديث الصحيح ، وسيأتى جملة من ذلك في تفسير سورة يوسف إن شاء الله.

الآية السادسة ـ قوله تعالى (١) : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ـ القول في القبلة ، وقد تقدّم في سورة البقرة (٢).

المسألة الثانية ـ في تفسيرها :

هذا يدلّ على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى في صلاته ولقومه ، ولم تخل الصلاة قطّ عن شرط الطهارتين ، واستقبال القبلة ، وستر العورة ، فإن ذلك أبلغ في التكليف ، وأوقر للعبادة.

المسألة الثالثة ـ قيل أراد بقوله : (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) يعنى بيت المقدس ، أمروا أن يستقبلوها حيثما كانوا ، وقد كانت مدة من الزمان قبلة ، ثم نسخ ذلك حسبما تقدم في سورة البقرة.

وقيل أراد به (٣) صلوا في بيوتكم دون بيعكم إذا كنتم خائفين ، لأنّه كان من دينهم أنهم لا يصلّون إلّا في البيع والكنائس ما داموا على أمن ، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلّوا في بيوتهم ، والأول أظهر الوجهين ، لأن الثاني دعوى (٤).

__________________

(١) آية ٨٧.

(٢) صفحة ٤٢ من الجزء الأول.

(٣) في ل : بقوله.

(٤) هنا في آخر الجزء الثاني من النسخة ل ورقمها ٢٢ ما يأتى : «والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، والحمد لله الّذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

وكتبه الفقير إلى مولاه المعترف بتقصيره وذنبه محمد بن وزير بن يوسف غفر الله له ولوالديه ولمن دعا له بالمغفرة والرحمة ولجميع المسلمين. ووافق الفراغ منه يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وسبعمائة ، اللهم توف كاتبه مسلما وألحقه بالصالحين».

١١

سورة هود

[فيها ثماني آيات]

الآية الأولى ـ قوله تعالى (١) : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ).

فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ـ قوله : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا) بيان لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وذلك لأنّ العبد لا يعطى إلا على وجه قصده ، وبحكم ما ينعقد ضميره عليه ، وهذا أمر متفق عليه في الأمم من أهل كل ملّة.

المسألة الثانية ـ أخبر الله سبحانه أنّ من يريد الدنيا يعطى ثواب عمله فيها ، ولا يبخس منه شيئا.

واختلف بعد ذلك في وجه التوفية ، فقيل في ذلك صحة بدنه أو إدرار رزقه. وقيل : هذه الآية مطلقة ، وكذلك الآية التي في حم عسق (٢) : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ ...)

الآية ـ قيدها وفسرها بالآية التي في سورة سبحان ، وهي قوله (٣). (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ ..). إلى : (مَحْظُوراً) ، فأخبر سبحانه أنّ العبد ينوى ويريد ، والله أعلم بما يريد.

المسألة الثالثة ـ اختلف في المراد بهذه الآية ، فقيل : إنه الكافر ، فأما المؤمن فله حكمه الأفضل الذي بيّنه الله في غير موضع.

وقال مجاهد : هي في الكفرة ، وفي أهل الرياء. قال القاضي : هي عامّة في كل من ينوى غير الله بعمله ، كان معه أصل إيمان ، أو لم يكن. وقد قال النبىّ صلى الله عليه وسلم: قال الله : إنى لا أقبل عملا أشرك فيه معى غيرى ، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك.

وقال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنّ الله جلّ ثناؤه إذا كان يوم

__________________

(١) آية ١٥.

(٢) آية ٢٠ من سورة الشورى.

(٣) سورة الإسراء ، آية ١٨.

١٢

القيامة نزل إلى العباد ليقضى بينهم ، وكلّ أمة جاثية ، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن ، ورجل قتل في سبيل الله ، ورجل كثير المال ، فيقول الله للقارئ : ألم أعلّمك ما أنزلت على رسولي؟ قال : بلى يا رب. قال : فماذا عملت فيما علمت؟ قال : كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله جل ثناؤه : كذبت ، وتقول الملائكة : كذبت ، ويقول الله جل جلاله : بل أردت أن يقال فلان قارئ ، فقد قيل ذلك.

ويؤتى بصاحب المال ، فيقول الله تعالى : أو لم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول : بلى يا ربّ. فيقول : فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال : كنت أصل الرحم وأتصدّق ، فيقول الله : كذبت ، وتقول الملائكة : كذبت ، بل أردت أن يقال فلان جواد ، فقد قيل لك ذلك.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله ، فيقال له : في ما ذا قتلت؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قلت. فيقول الله : كذبت ، وتقول الملائكة : كذبت ، ويقول الله : بل أردت أن يقال فلان جريء ، فقد قيل ذلك.

ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتىّ وقال : يا أبا هريرة ، أولئك الثلاثة أوّل خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة. ثم قال تعالى (١) : (أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ. وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أى في الدنيا ، وهذا نصّ في مراد الآية ، والله أعلم.

الآية الثانية ـ في قصة نوح (٢) :

وفيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ـ روى ابن القاسم ، عن ابن أشرس ، عن مالك ، قال : بلغني أنّ قوم نوح ملئوا الأرض حتى ملئوا السهل والجبل ، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء ولا هؤلاء أن ينزلوا مع هؤلاء ، فلبث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة ، ثم جمعها

__________________

(١) سورة هود ، آية ١٦.

(٢) من الآية ٢٥ إلى آية ٤٨ من السورة.

١٣

ييبسها مائة عام ، وقومه يسخرون منه ، وذلك لما رأوه يصنع ذلك ، حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان.

المسألة الثانية ـ قوله تعالى (١) : (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وذلك نصر في ذكر الله في كل حال ، وعلى كل أمر.

وقد روى الدارقطني وغيره : كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه ، حتى قال جماعة ، إنه يقول بسم الله مع النية في الوضوء ، حتى يجمع بين الذكر والنية ، ومن أشده في الندب ذكر الله في ابتداء الشراب والطعام ، ومن الوجوب فيه ذكر الله عند الذبح ، كما تقدم ذكره في سورة الأنعام (٢) وغير ذلك من تعديد مواضعه.

المسألة الثالثة ـ قال : (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ).

قال علماؤنا : لما استنقذ الله من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن فاصنع الفلك. قال : يا رب ، ما أنا بنجّار ، قال : بلى ، فإن ذلك بعيني ، فأخذ القدوم ، فجعلت يده لا تخطئ ، فجعلوا يمرّون به فيقولون : هذا النبىّ الذي يزعم أنه نبىّ قد صار نجّارا ، فعملها في أربعين سنة ، ثم أوحى الله إليه أن احمل فيها من كلّ زوجين اثنين ، فحمل فيها ، فأرسل الله الماء من السماء ، وفتح الأرض ، ولجأ ابن نوح إلى جبل ، فعلا الماء على الجبل سبعة عشر ذراعا ، وذلك قوله (٣) : (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ) يعنى عنه ـ إلى قوله : (مِنَ الْجاهِلِينَ).

قال علماؤنا : إنما سأل نوح ربّه لأجل قول الله : احمل فيها من كلّ زوجين ... إلى : وأهلك ، وترك نوح قوله : إلا من سبق عليه القول منهم ، لأنه رآه استثناء عائدا إلى قوله : من كلّ زوجين اثنين ، وحمله الرجاء على ذلك ، فأعلمه الله أنّ الاستثناء عائد إلى الكل ، وأنه قد سبق القول على بعض أهله ، كما سبق على بعض من الزوجين ، وأن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه تسلية للخلق في فساد أبنائهم ، وإن كانوا صالحين ، ونشأت عليه

__________________

(١) آية ٤١.

(٢) صفحة ٧٣٧ من الجزء الثاني.

(٣) آية ٤٥ ، ٤٦.

١٤

مسألة ، وهي أنّ الابن من الأهل اسما ولغة ، ومن أهل البيت على ما يأتى بيانه في الآية السادسة بعد هذا إن شاء الله.

الثالثة ـ قوله (١) : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) ، قال بعض علماء الشافعية : الاستعمار طلب العمارة ، والطلب المطلق من الله على الوجوب.

قال القاضي الإمام : تأتى كلمة استفعل في لسان العرب على معان ، منها استفعل بمعنى طلب الفعل ، كقوله : استحملت فلانا ، أى طلبت منه حملانا.

ومنها استفعل بمعنى اعتقد ، كقولهم : استسهلت هذا الأمر ، أى اعتقدته سهلا ، أو وجدته سهلا ، واستعظمته ، أى اعتقدته عظيما.

ومنها استفعل بمعنى أصبت الفعل ، كقولك : استجدته ، أى أصبته جيدا ، وقد يكون طلبته جيدا.

ومنها بمعنى فعل ، كقوله : قرّ في المكان واستقر. وقالوا : إن قوله : يستهزئون ، ويستحسرون منه ، فقوله تعالى : (اسْتَعْمَرَكُمْ :) خلقكم لعمارتها على معنى استجدته واستسهلته ، أى أصبته جيدا وسهلا ، وهذا يستحيل في الخالق ، فترجع إلى أنه خلق لأنه الفائدة ، ويعبّر عن الشيء بفائدته مجازا ، كما بيناه في الأصول ، ولا يصح أن يقال إنه طلب من الله لعمارتها ، فإنّ هذا اللفظ لا يجوز في حقه ، أما أنه يصح أن يقال : إنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل ، وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمر ، أو طلب الفعل إذا كان من الأدنى إلى الأعلى رغبة ، وقد بينا ذلك في الأصول.

الآية الرابعة ـ قوله تعالى (٢) : (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ).

فيها تسع مسائل :

__________________

(١) آية ٦٠.

(٢) آية ٦٩.

١٥

المسألة الأولى ـ قد بيّنّا في الرسالة الملجئة إعراب الآية ، وقد قال الطبرىّ : إنه عمل في «سلام» الأول القول ، كأنه قال : قالوا قولا وسلّموا سلاما. وقال الزجاج : معناه سلمنا سلاما. قال شيخنا أبو عبد الله المغربي : إنّ نصبه على المصدر أظهر وجوهه ، لأنه إن عمل فيه القول كان على معنى السلام ، ولم يكن عمل لفظه ، كأنه أخبر أنه على المعنى ، كما تقول : قلت حقا ، ولم ينطق بالحاء والقاف ، وإنما قلت قولا معناه حق ، وهم إنما تكلّموا بسلام ، ولذا أجابهم بالسلام ، وعلى هذا جرى قراءة من قرأ. قال : فإنه يقول أمرى سلام ، أجابهم على المعنى.

المسألة الثانية ـ قال علماؤنا قوله : (قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) يدلّ على أن تحية الملائكة هي تحية بنى آدم.

قال القاضي الإمام : الصحيح أنّ «سلاما» هاهنا معنى كلامهم لا لفظه ، وكذلك هو في قوله (١) : (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) ، ولو كان لفظ كلامهم سلام عليكم فإنه لم يقصد ذكر اللفظ ، وإنما قصد ذكر المعنى الذي يدلّ عليه لفظ سلام. ألا ترى أنّ الله سبحانه لما أراد ذكر اللفظ قاله بعينه ، فقال مخبرا عن الملائكة (٢) : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ). (سَلامٌ) (٣) (عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ). وأبدع منه في الدلالة أنه قال (٤) : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ ، سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ). وقال أيضا (٥) : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ).

المسألة الثالثة ـ قال علماؤنا : قوله : (قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) يدلّ على أن السلام يردّ بمثله ، كما روى ابن وهب عن مالك عن أبى جعفر القاري ، قال : كنت مع ابن عمر فيسلم عليه ، فيقول : السلام عليكم ، ويردّ كما يقال.

قال القاضي الإمام : هذا على أنّ القول هاهنا سلام بلفظه أو بمعناه ، كما تقدم بيانه.

__________________

(١) سورة الفرقان ، آية ٦٣.

(٢) سورة الرعد ، آية ٢٦.

(٣) سورة الزمر ، آية ٧٣.

(٤) سورة الصافات ، آية ١٢٠ ، ١٢١.

(٥) سورة الصافات ، آية ١٣٠.

١٦

المسألة الرابعة ـ قوله تعالى : (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) قدّمه إليهم نزلا وضيافة ، وهو أول من ضيّف الضيف حسبما ورد في الحديث.

وفي الإسرائيليات أنه كان لا يأكل وحده ، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه ، فلقى يوما رجلا فلما جلس معه على الطعام قال له إبراهيم : سمّ الله. قال له الرجل : لا أدرى ما الله ، قال له : فاخرج عن طعامي. فلما خرج الرجل نزل إليه جبريل فقال له : يقول [الله] (١) : إنه يرزقه على كفره مدى عمره ، وأنت بخلت عليه بلقمة ، فخرج إبراهيم مسرعا (٢) فردّه ، فقال : [ارجع ، قال] (٣) : لا أرجع ، تخرجني ثم تردّنى لغير معنى! فأخبره بالأمر ، فقال : هذا ربّ (٤) كريم. آمنت ، ودخل وسمّى الله ، وأكل مؤمنا.

المسألة الخامسة ـ ذهب الليث بن سعد من العلماء إلى أن الضيافة واجبة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته (٥) يوم وليلة وما وراء ذلك صدقة. وفي رواية [أنه قال] (٦) : ثلاثة أيام ، ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه. وهذا حديث [صحيح] (٧) خرجه الأئمة ولفظه للترمذي.

وذهب علماء الفقه إلى أنّ الضيافة لا تجب ، وإنما هي من مكارم الأخلاق وحسن المعاملة بين الخلق ، وتأوّلوا هذا الحديث بأنه (٨) محمول على النّدب ، بدليل قوله : فليكرم ضيفه ، والكرامة من خصائص الندب دون الوجوب.

وقد قال قوم : إنّ هذا كان في صدر الإسلام ، ثم نسخ ، وهذا ضعيف ، فإن الوجوب لم يثبت والناسخ لم يرد.

أما أنه قد روى الأئمة عن أبى سعيد الخدري أنه قال : نزلنا بحي من [أحياء] (٩) العرب فاستضفناهم ، فأبوا ، فلدغ سيّد ذلك الحي فسعوا (١٠) له بكل شيء فلم ينفعه. فقال بعضهم :

__________________

(١) من م.

(٢) في م : فزعا.

(٣) من م.

(٤) في م : هذا رزق كريم.

(٥) في م : حتى :

(٦) من م.

(٧) من م وانظر صحيح مسلم : ١٣٥٣.

(٨) في م : بأمر.

(٩) من م.

(١٠) في م : فأتوا إليه. (٢ ـ أحكام ـ ٣)

١٧

لو أتيتم هؤلاء الرّهط الذين نزلوا ، لعله أن يكون عندهم شيء ، فقالوا : يا أيها الرهط ، إن سيدنا لدغ ، وقد سعينا له بكل شيء فلم ينفعه ، فهل عند أحد (١) منكم شيء؟ قال بعضهم : إنى والله أرقى ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ الحمد لله رب العالمين ، فكأنما أنشط من عقال ، فانطلق يمشى وما به قلبة (٢). قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم : اقسموا ، وقال الذي رقى : لا تفعلوا ، حتى نأتى النبىّ صلى الله عليه وسلم ، فنذكر له الذي كان ، فننظر الذي يأمر به. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له [ذلك] (٣) ، فقال : وما يدريك أنها رقية ، ثم قال : اقسموا واضربوا لي معكم سهما. فضحك النبىّ صلى الله عليه وسلم.

فقوله في هذا الحديث : فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقّا للام النبىّ صلى الله عليه وسلم القوم الذين أبوا وبيّن (٤) ذلك لهم ، ولكن الضيافة حقيقة فرض على الكفاية ، ومن الناس من قال : إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى ، بخلاف الحواضر ، فإنها مشحونة بالمأويات (٥) والأقوات ، ولا شكّ أن الضيف كريم ، والضيافة كرامة ، فإن كان عديما (٦) فهي فريضة.

المسألة السادسة ـ قوله [تعالى] (٧) : (فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ).

قال كبراء النحويين : فما لبث حتى جاء بعجل حنيذ ، وأعجب لهم كيف استجازوا ذلك مع سعة معرفتهم. وقال غيرهم ما قد استوفينا ذكره في الملجئة ، وحققنا [أن موضع] (٨) «أن جاء» منصوب على حكم المفعول.

المسألة السابعة ـ مبادرة إبراهيم بالنّزول حين ظنّ أنهم أضياف مشكورة (٩) من الله متلوّة من كلامه في الثناء بها عليه ، تبيّن (١٠) ذلك من إنزاله فيه حين قال في موضع : فجاء

__________________

(١) في م : فهل عندكم من شيء.

(٢) يقال : ما به قلبة : أى داء وتعب.

(٣) من م.

(٤) في م : ليبين.

(٥) في م : بالمياه. وهي جمع مأواة.

(٦) في م : عربيا.

(٧) من م.

(٨) ليس في م.

(٩) في ا : مشهورة.

(١٠) في م : مبين.

١٨

بعجل سمين. وفي آخر : فجاء بعجل حنيذ ، أى مشوىّ ، ووصفه بالطيبين : طيب السمن ، وطيب العمل بالإشواء ، وهو أطيب للمحاولة في تناوله ، فكان لإبراهيم فيه ثلاث خصال : الضيافة ، والمبادرة بها جيدا (١) لسمن فيها وصفا.

المسألة الثامنة ـ قال بعض علمائنا : كانت ضيافة قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب ، وهذا تحكّم بالظن (٢) في موضع القطع [و] (٣) بالقياس في موضع النقل ، من أين علم أنه قليل؟ بل قد نقل المفسرون أنّ الملائكة كانوا ثلاثة : جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وعجل لثلاثة عظيم ، فما هذا التفسير في كتاب الله بالرأى؟ هذا بأمانة الله هو التفسير المذموم ، فاجتنبوه فقد علمتموه.

المسألة التاسعة ـ السّنّة إذا قدّم للضيف الطعام أن يبادر المقدّم إليه بالأكل منه ، فإنّ كرامة صاحب المنزل المبادرة بالقبول ، فلما قبض الملائكة أيديهم نكرهم إبراهيم ، لأنهم خرجوا عن العادة ، وخالفوا السنّة ، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه.

وقد كان من الجائز ـ كما يسّر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة ـ أن ييسّر لهم أكل (٤) الطعام ، إلا أنه في قول العلماء ، أرسلهم في صفة الآدميين ، وتكلّف إبراهيم الضيافة حتى إذا رأى التوقّف ، وخاف جاءته البشرى فجأة ، وأكمل المبشرات (٥) ما جاء فجأة ولم يظنّه المسرور حسابا.

الآية الخامسة ـ قوله تعالى (٦) : (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).

فيها أربع مسائل :

المسألة الأولى ـ كان شعيب كثير الصلوات مواظبا للعبادة ، فلما أمرهم ونهاهم عيّروه بما رأوه يستمرّ عليه من كثرة الطاعة.

المسألة الثانية ـ قوله : (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) قال ابن وهب : قال مالك : كانوا يكسرون الدنانير والدراهم. وكذلك قال جماعة من

__________________

(١) في ا : حنذ.

(٢) في م : وهذا حكم من الظن.

(٣) ليس في م.

(٤) في م : ذكر.

(٥) في م : المسرات.

(٦) آية ٨٧.

١٩

المفسرين المتقدمين ، وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم ، لأنها الواسطة في تقدير قيم الأشياء والسبيل إلى معرفة كمية الأموال وتنزيلها في المعاوضات ، حتى عبّر عنها بعض العلماء إلى أن يقولوا إنها القاضي ، بيّن الأموال عند اختلاف المقادير أو جهلها ، وإن (١) من حبسها ولم يصرفها فكأنه حبس القاضي وحجبه عن الناس ، والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحا قام معناها ، وظهرت فائدتها ، فإذا كسرت صارت سلعة ، وبطلت الفائدة فيها ، فأضرّ ذلك بالناس ، فلأجله حرم. وقد قال ابن المسيب : قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض ، وكذلك قال زيد بن أسلم في هذه الآية ، وفسّره به. ومثلها (٢) عن يحيى بن سعيد من رواية مالك عنهم كلهم.

وقد (٣) قال عمر بن عبد العزيز : إن ذلك تأويل قوله (٤) : (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها).

وقد قيل في قوله تعالى (٥) : (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) ، قال زيد بن أسلم : كانوا يكسرون الدراهم والدنانير ، والمعاصي تتداعى.

المسألة الثالثة ـ قال أصبغ : قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقى : من كسرها لم تقبل شهادته ، وإن اعتذر بالجهالة (٦) لم يعذر ، وليس هذا بموضع عذر ، فأما قوله : لم تقبل شهادته ، فلأنه أتى كبيرة ، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر.

وأما قوله : لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بيّن لا يخفى على أحد. وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه أو خفى وجه الصدق فيه ، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك.

المسألة الرابعة ـ إذا كان هذا معصية وفسادا يردّ الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك.

واختلف في عقوبته على ثلاثة أقوال (٧) :

[الأول ـ] (٨) قال مالك : يعاقبه السلطان على ذلك هكذا مطلقا من غير تحديد للعقوبة

__________________

(١) في م : وأنه.

(٢) في م : ومثله.

(٣) في م : وبه قال.

(٤) سورة الأعراف ، آية ٥٦

(٥) سورة النمل ، آية ٤٨.

(٦) في م : بجهالة.

(٧) في م : على ثلاثة أحوال.

(٨) من م.

٢٠