🚘

أحكام القرآن - ج ٤

أبي بكر محمّد بن عبدالله [ ابن العربي ]

أحكام القرآن - ج ٤

المؤلف:

أبي بكر محمّد بن عبدالله [ ابن العربي ]


المحقق: علي محمّد البجاوي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الجيل
🚘 نسخة غير مصححة

١
٢

سورة سبأ

[مكية فيها ثلاث آيات]

الآية الأولى (١) ـ قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ).

[فيها مسألتان :

المسألة الأولى ـ قوله : (فَضْلاً). فيه (٢)] (٣) أربعة عشر قولا :

الأول ـ النبوة.

الثاني ـ الزّبور.

الثالث ـ حسن الصوت.

الرابع ـ تسخير الجبال والناس.

الخامس ـ التوبة.

السادس ـ الزيادة في العمر.

السابع ـ الطير.

الثامن ـ الوفاء بما وعد.

التاسع ـ حسن الخلق.

العاشر ـ الحكم بالعدل.

الحادي عشر ـ تيسير العبادة.

الثاني عشر ـ العلم ، قال الله تعالى (٤) : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً).

الثالث عشر : القوة ، قال الله تعالى (٥) : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).

__________________

(١) آية ١٠.

(٢) في ش : فيها.

(٣) من ش.

(٤) سورة النمل ، آية ٥١.

(٥) سورة ص ، آية ١٧.

٣

الرابع عشر ـ قوله (١) : (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).

والمراد هاهنا من جملة الأقوال حسن الصوت ، فإن سائرها قد بيناه في موضعه في كتاب الأنبياء من المشكلين. وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن ، وله قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى موسى الأشعرى : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ، وهي :

المسألة الثانية ـ وفيه دليل على الإعجاب بحسن الصوت ، وقد روى عبد الله بن مغفّل ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ـ أو جمله ـ وهي تسير به ، وهو يقرأ سورة الفتح ـ أو من سورة الفتح ـ قراءة لينة وهو يرجع ، ويقول آ ، واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع ، وكرهه مالك. وهو جائز لقول أبى موسى للنبي عليه السلام : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ، يريد لجعلته لك أنواعا حسانا ، وهو التلحين ، مأخوذ من الثواب المحبر ، وهو المخطّط بالألوان.

وقد سمعت تاج القراء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ (٢) : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ). فكأنى ما سمعت الآية قط.

وسمعت ابن الرفاء ـ وكان من القرّاء العظام ـ يقرأ ، وأنا حاضر بالقرافة : (كهيعص) ، فكأنى ما سمعتها قط.

وسمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين يقرأ في دار بها الملك : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) ، فكأنى ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) ، فكأنّ الإيوان قد سقط علينا. والقلوب تخشع بالصوت الحسن كما تضع للوجه الحسن ، وما تتأثّر به القلوب في التقوى فهو أعظم في الأجر وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها (٣).

وكان ابن الكازروني (٤) يأوى إلى المسجد الأقصى ، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات ، ولقد كان يقرأ في مهد عيسى فيسمع من الطّور ، فلا يقدر أحد أن يصنع شيئا طول قراءته إلا الاستماع (٥) إليه.

__________________

(١) سورة النمل ، آية ١٦.

(٢) سورة الإسراء ، آية ٧٩.

(٣) في ا : منه.

(٤) في م ، ش : الكازونى والمثبت في ا ، واللباب.

(٥) في ش : الإصغاء.

٤

وكان صاحب مصر الملقّب بالأفضل قد دخلها في المحرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وحوّلها (١) عن أيدى العباسية ، وهو حنق عليها وعلى أهلها بحصاره لهم وقتالهم له ، فلما صار فيها (٢) ، وتدانى بالمسجد الأقصى منها ، وصلى ركعتين تصدّى له ابن الكازروني ، وقرأ (٣) : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فما ملك نفسه حين سمعه أن قال للناس على عظم ذنبهم عنده ، وكثرة حقده عليهم (٤) : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى ، وزيادة في الخلق ومنّة. وأحقّ (٥) ما لبست هذه الحلة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله ، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة فقد قضى بها حقّ النعمة.

الآية الثانية ـ قوله تعالى (٦) : (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ).

فيها سبع مسائل :

المسألة الأولى ـ المحراب : هو البناء المرتفع الممتنع ، ومنه يسمى المحراب في المسجد ، لأنه أرفعه ، أنشد فقيه المسجد الأقصى عطاء الصوفي :

جمع الشجاعة والخضوع لربه

ما أحسن المحراب في المحراب

والجفان أكبر الصّحاف ، قال الشاعر :

يا جفنة بإزاء الحوض قد كفئت

ومنطقا مثل وشى البردة الخضر

والجوابى جمع جابية ، وهي الحوض العظيم المصنوع ، قال الشاعر يصف جفنة (٧) :

كجابية الشّيخ العراقي تفهق

__________________

(١) في ا : وخزلها.

(٢) في ا : صادفها.

(٣) سورة آل عمران ، آية ٢٦.

(٤) سورة يوسف ، آية ٩٢.

(٥) في ش : وأحسن.

(٦) آية ١٣.

(٧) الشاعر هو امرؤ القيس ، وصدره :

تروح على آل المحلق جفنة

٥

(وَقُدُورٍ راسِياتٍ) ، يعنى ثابتات ، قال الله تعالى (١) : (وَالْجِبالَ أَرْساها).

المسألة الثانية ـ شاهدت محراب داود عليه السلام في بيت المقدس بناء عظيما من حجارة صلدة لا تؤثّر فيها المعاول ، طول الحجر خمسون ذراعا ، وعرضه ثلاثة عشر ذراعا ، وكلما قام بناؤه صغرت حجارته ، ويرى له ثلاثة أسوار ، لأنه في السحاب أيام الشتاء كلها لا يظهر لارتفاع موضعه وارتفاعه في نفسه ، له باب صغير ومدرجة عريضة ، وفيه الدّور والمساكن ، وفي أعلاه المسجد ، وفيه كوّة شرقية إلى المسجد الأقصى في قدر الباب ، ويقول الناس : إنه تطلع منها على المرأة حين دخلت عليه الحمامة ، وليس لأحد في هدمه حيلة ، وفيه نجا من نجا من المسلمين حين دخلها الروم حتى صالحوا على أنفسهم بأن أسلموه إليهم ، على أن يسلموا في رقابهم وأموالهم ، فكان ذلك ، وتخلّوا لهم عنه.

ورأيت فيه غريبة الدهر ، وذلك أن تأثرا ثار به على واليه ، وامتنع فيه بالقوت ، فحاصره ، وحاول قتاله بالنشاب مدة ، والبلد على صغره مستمر على حاله ، ما أغلقت لهذه الفتنة سوق ، ولا سار إليها من العامة بشر ، ولا برز للحال من المسجد الأقصى معتكف ، ولا انقطعت مناظرة ، ولا بطل التدريس ، وإنما كانت العسكرية قد تفرقت فرقتين يقتتلون ، وليس عند سائر الناس لذلك حركة ، ولو كان بعض هذا في بلادنا لاضطرمت نار الحرب في البعيد والقريب ، ولانقطعت المعايش ، وغلّقت الدكاكين ، وبطل التعامل لكثرة فضولنا وقلّة فضولهم.

المسألة الثالثة ـ قوله : (وَتَماثِيلَ) ، واحدتها تمثال ، وهو بناء غريب ، فإن الأسماء التي جاءت على «تفعال» قليلة منحصرة ، جماعها ما أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار ، أخبره أبو الحسن بن رزية ، أخبرنا القاضي أبو سعيد ، أخبرنا أبو بكر بن دريد ، قال : رجل تكلام : كثير الكلام ، وتلقام : كثير اللّقم ، ورجل تمساح كذّاب ، وناقة تضراب قريبة العهد بالضّراب ، والتّمراد (٢) : بيت صغير للحمام (٣). وتلفاق (٤) ثوبان يخاط أحدهما بالآخر.

__________________

(١) سورة النازعات ، آية ٣٢.

(٢) في ا : التمرار ، وهو تحريف.

(٣) في القاموس : التمراد : بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه.

(٤) في ا : تلفاف ، وهو تحريف ، والمثبت من ش ، والقاموس.

٦

والتّجفاف (١) معروف. وتمثال : معروف. وتبيان من البيان. وتلقاء : قبالتك. وتهواء من الليل : قطعة. وتعشار : موضع. ورجل تنبال : قصير. وتلعاب : كثير اللعب. وتقصار : قلادة. فهذه ستة عشر مثالا.

فلما قرأت إصلاح المنطق ببغداد على الشيخ الأجل الخطيب رئيس اللغة وخازن دار العلم أبى زكريا يحيى بن علىّ التبريزي قال لي : كنت أقرأ خطب ابن نباتة على أبى عبد الله العربي اللغوي الفرائضى فوصلت إلى قوله : وتذكارهم تواصل مسيل العبرات ، وقرأته بخفض التاء فردّ علىّ ، وقال وتذكارهم بفتحها ؛ لأنه ليس في كلام العرب تفعال إلا التّلقاء وإلا التّبيان ، وتعشار وتنزال موضوعان ، وتقصار : قلادة. قال لي التبريزي : ثم قرأت خطب ابن نباتة على بعض أشياخى ، فلما وصلت إلى اللفظ وذكرت له كلام ابن العربي قال لي : اكتب ما أملى عليك. فأملى علىّ : الأشياء (٢) التي جاءت على تفعال ضربان : مصادر وأسماء ؛ فأما المصادر فالتلقاء والتّبيان ، وهما في القرآن. والأسماء : رجل تنبال : أى قصير. وزعم قوم أن التاء في تنبال أصلية فيكون وزنه فعلالا. وذكر ما قال ابن دريد (٣) وزاد التّنضال من المناضلة [والتّيغار حبّ مقطوع يزيد في الخابية ، وترياع : موضع] (٤) ، والتربان وترغام اسم شاعر ، ويقال جاء لتنفاق الهلال ، ويجوز أن يكون مصدرا ، والتمتان واحد التمتانين ، وهي خيوط تضرب بها الفسطاط. ورجل تمزاح كثير المزاح ، والتّمساح الدابة المعروفة (٥).

المسألة الرابعة ـ التمثال على قسمين حيوان وموات ، والموات على قسمين : جماد ونام ، وقد كانت الجنّ تصنع (٦) لسليمان جميعه ، وذلك معلوم من طريقين :

أحدهما ـ عموم قوله : (تَماثِيلَ).

والثاني ـ ما روى من طرق عديدة ، أصلها الإسرائيليات ، لأن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان.

__________________

(١) آلة للحرب يلبسها الفرس والإنسان لتقى في الحرب.

(٢) في ش : الأستاذ.

(٣) في م : ابن دريد وزيد. وفي ش : ابن دريد وابن زيد.

(٤) ليس في ش.

(٥) انظر المخصص صفحة ١٩٠ جزء ١٤ ففيه هذه الأوزان مع اختلاف قليل.

(٦) في م : تعمل.

٧

فإن قيل : لا عموم لقوله : (تَماثِيلَ) فإنه إثبات في نكرة ، والإثبات في النكرة لا عموم له ، إنما العموم في النفي في النكرة حسبما قررتموه في الأصول.

قلنا : كذلك نقول ، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضى حمله على العموم ، وهو قوله : (ما يَشاءُ) فاقتران المشيئة به يقتضى العموم له.

فإن قيل : فكيف شاء (١) عمل الصور المنهىّ عنها؟

قلنا : لم يرد أنه (٢) كان منهيّا عنها في شرعه ، بل ورد على ألسنة أهل الكتاب أنه كان أمرا مأذونا فيه ، والذي أوجب النهى عنه في شرعنا ـ والله أعلم ـ ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام ، فكانوا يصوّرون ويعبدون ، فقطع الله الذّريعة وحمى الباب.

فإن قيل : فقد قال حين ذمّ الصور وعملها من الصحيح قول النبي عليه السلام (٣) : من صوّر صورة عذّبه الله حتى ينفخ فيها الرّوح ، وليس بنافخ. وفي رواية الذين يشبهون بخلق الله ، فعلّل بغير ما زعمتم.

قلنا : نهى عن الصورة ، وذكر علّة التشبيه بخلق الله ، وفيها زيادة علة عبادتها من دون الله ، فنبّه على أنّ نفس عملها (٤) معصية ، فما ظنّك بعبادتها!

وقد ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسرا ، وأنهم (٥) كانوا أناسا ، ثم صوّروا بعد موتهم وعبدوا. وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميّت صوّروه من خشب في أحسن صورة ، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزّته (٦) إن كان رجلا وحليتها إن كانت امرأة ، وأغلقوا عليه الباب.

فإذا أصاب أحدا منهم كرب أو تجدد له مكروه فتح الباب [عليه] (٧) وجلس عنده يبكى ويناجيه بكان وكان حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه ، ثم يغلق الباب عليه وينصرف عنه ، وإن تمادى بهم الزمان يعبدوها (٨) من جملة الأصنام والأوثان ، فعلى هذا التأويل إن قلنا :

__________________

(١) في ا : يشاهد.

(٢) في ش : لم يروا أنه.

(٣) مسلم : ١٦٧١

(٤) في ش : عملنا.

(٥) في م : فإنهم.

(٦) في ا : بزيه.

(٧) ليس في ش.

(٨) في ش : فيعبدونها.

٨

إنّ شريعة من قبلنا لا تلزمنا فليس ينقل عن ذلك حكم. وإن قلنا : إنّ شرع من قبلنا شرع لنا فيكون نهى النبي صلّى الله عليه وسلم عن الصور نسخا ، وهي :

المسألة الخامسة ـ على ما بيناه في قسم الناسخ والمنسوخ قبل هذا.

وإن قلنا : إنّ الذي كان يصنع له الصور المباحة من غير الحيوان وصورته فشرعنا وشرعه واحد.

وإن قلنا : إن الذي حرم عليه ما كان شخصا لا ما كان رقما في ثوب فقد اختلفت الأحاديث في ذلك اختلافا متباينا بيّناه في شرح الحديث ، لبابه أنّ أمهات الأحاديث خمس أمهات :

الأم الأولى ـ ما روى عن ابن مسعود وابن عباس أنّ أصحاب الصور يعذّبون ، أو هم أشدّ الناس عذابا. وهذا عامّ في كل صورة. الأم الثانية ـ روى عن أبى طلحة عن النبىّ صلّى الله عليه وسلم (١) : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ـ زاد زيد بن خالد الجهني : إلا ما كان رقما في ثوب. وفي رواية (٢) عن أبى طلحة نحوه ، فقلت لعائشة : هل سمعت هذا؟ فقالت : لا ، وسأحدّثكم ، خرج النبىّ صلّى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نمطا فنشرته (٣) على الباب ، فلما قدم ورأى النّمط عرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه ، وقال : إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قالت : فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفا ، فلم يعب ذلك علىّ.

الأم الثالثة ـ قالت عائشة (٤) : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : حوّلى هذا ، فإنّى كلما رأيته ذكرت الدنيا.

الأم الرابعة ـ روى عن عائشة قالت (٥) : دخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأنا متستّرة بقرام (٦) فيه صورة فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ، ثم قال : إنّ من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون (٧) خلق الله. قالت عائشة : فقطعته ، فجعلت منه وسادتين.

__________________

(١) صحيح مسلم : ١٦٦٦.

(٢) في ا ومسلم : فسترته.

(٣) مسلم : ١٦٦٧.

(٤) القرام : الستر الرقيق.

(٥) في القرطبي ، ومسلم : يشبهون بخلق الله.

٩

الأم الخامسة ـ قالت عائشة (١) : كان لنا ثوب ممدود على سهوة (٢) فيها تصاوير ، فكان النبي صلّى الله عليه وسلم يصلّى إليه ، ثم قال : أخريه عنى ، فجعلت منه وسادتين ، فكان النبي صلّى الله عليه وسلم يرتفق بهما. وفي رواية في حديث النّمرقة قالت : اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسّدها ، فقال : إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة ، وإن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة.

قال القاضي : فتبيّن بهذه الأحاديث أنّ الصور ممنوعة على العموم ، ثم جاء : إلّا ما كان رقما في ثوب ، فخصّ من جملة الصور ، ثم بقول النبي صلّى الله عليه وسلم لعائشة في الثوب المصوّر : أخّريه عنّى ، فإنى كلما رأيته ذكرت الدنيا. فثبتت الكراهة فيه. ثم بهتك النبىّ صلّى الله عليه وسلم الثوب المصوّر على عائشة منع منه ، ثم بقطعها لها وسادتين حتى تغيّرت الصورة وخرجت عن هيئتها بأن جواز (٣) ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز لقولها في النمرقة المصوّرة : اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها ، فمنع منه وتوعّد عليه ، وتبيّن بحديث الصلاة إلى الصورة أن ذلك كان جائزا [في الرّقم] (٤) في الثوب ، ثم نسخه المنع ، فهكذا استقر فيه الأمر. والله أعلم.

المسألة السادسة ـ قوله تعالى : (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ).

قال ابن القاسم ـ عن مالك : كالجوبة من الأرض. وقدور راسيات ، يعنى لا تحمل ولا تحرّك لعظمها ، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان يصعد إليها في الجاهلية بسلّم ، ورأيت برباط أبى سعيد قدور (٥) الصوفية على نحو ذلك ، فإنهم يطبخون جميعا ، ويأكلون جميعا من غير استئثار أحد (٦) منهم عن أحد ، وعنها عبّر طرفة بن العبد بقوله (٧) :

كالجوابى لا تنى مترعة

لقرى الأضياف أو للمحتضر

__________________

(١) مسلم : ١٦٦٨ ، ١٦٦٩.

(٢) السهوة : سترة قدام فناء البيت ؛ والحجلة وشبهها (القاموس). والسهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء (النهاية).

(٣) في ا : جوازه.

(٤) ليس في ش.

(٥) في ش : قدر.

(٦) في ش : لأحد.

(٧) ديوانه : ٥٦.

١٠

وقال أيضا (١) :

يجبر المحروب فيها (٢) ماله

بجفان وقباب (٣) وخدم

المسألة السابعة ـ قوله تعالى : (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً).

فيه ثلاثة أقوال :

الأول ـ روى أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قام على المنبر فقال : اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشّكور. ثم قال : ثلاث (٤) من أوتيهن فقد أوتى مثل ما أوتى آل داود. قال : فقلنا : ما هنّ؟ قال : العدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى ، وخشية الله في السر والعلانية.

الثاني ـ قوله : الحمد لله.

الثالث ـ الصلاة شكر ، والصيام شكر ، وكلّ خير يفعل لله شكر.

قال القاضي رضى الله عنه : حقيقة الشكر استعمال النعمة في الطاعة ، والكفران : استعمالها في المعصية.

وقليل من يفعل ذلك ، لأن الخير أقلّ من الشر ، والطاعة أقلّ من المعصية بحسب سابق التقدير ، والحمد لله رب العالمين.

الآية الثالثة ـ قوله تعالى (٥) : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

فيها مسألتان :

المسألة الأولى ـ قوله : (يُخْلِفُهُ) ، يعنى يأتى بثان بعد الأول ، ومنه الخلفة في النبات.

وقال أعرابى لأبى بكر : يا خليفة رسول الله. فقال : لا. بل أنا الخالفة بعده. [قال ثعلب : يريد بالقاعد بعده] (٦) ، والخالفة الذي يستخلفه الرئيس على أهله وماله.

المسألة الثانية ـ في معنى الخلف هاهنا أربعة أوجه :

الأول ـ يخلفه إذا رأى ذلك صلاحا ، كما يجيب الدعاء إذا شاء.

__________________

(١) ديوانه : ٩٠ ، ويجبر : يصلح. والمحروب : الذي سلب ماله.

(٢) في م ، والديوان فينا.

(٣) في الديوان : وسوام.

(٤) في ش : ثلاثة.

(٥) آية ٣٩.

(٦) ليس في ش.

١١

الثاني ـ يخلفه بالثواب.

الثالث ـ معنى يخلفه ، فهو أخلفه ، لأنّ كل ما عند العبد من خلف الله ورزقه. روى أشهب وابن نافع وابن القاسم ، عن مالك ، عن أبى الزّناد ، عن الأعرج ، عن أبى هريرة أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال : يقول الله : يا ابن آدم ، أنفق أنفق عليك. وهذه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق بها إذا كانت النفقة في طاعة الله ، وهو كالدعاء كما تقدم سواء ، إمّا أن تقضى حاجته ، وكذلك في النفقة يعوّض مثله وأزيد ، وإما أن يعوض ، والتعويض هاهنا بالثواب ، وإما أن يدّخر له ، والادّخار هاهنا مثله في الآخرة.

١٢

سورة فاطر

[فيها آيتان]

الآية الأولى ـ قوله تعالى (١) : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ).

فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى ـ في قوله : (يَصْعَدُ) ، والصعود هو الحركة إلى فوق ، وهو العروج أيضا. ولا يتصوّر ذلك في الكلام ، لأنه عرض ، ولكن ضرب صعوده مثلا لقبوله ، لأنّ موضع الثواب فوق ، وموضع العذاب أسفل. والصعود رفعة والنزول هوان.

المسألة الثانية ـ في الكلم الطيّب ثلاثة أقوال :

الأول ـ أنه التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة.

الثاني ـ ما يكون موافقا للسنّة.

الثالث ـ ما لا يكون للعبد فيه حظّ ، وإنما هو حقّ لله سبحانه وتعالى.

المسألة الثالثة : قوله : (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ) : هو الموافق للسنة.

المسألة الرابعة ـ قوله : (يَرْفَعُهُ) : قيل الفاعل في يرفعه مضمر يعود على الله ، أى هو الذي يرفع العمل الصالح ، كما أنه إليه يصعد الكلم الطيب.

وقيل الفاعل في يرفعه مضمر يعود على العمل ، المعنى : إلى الله يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح هو الذي يصعد الكلم الطيب ، وقد قال السلف بالوجهين ، وهما صحيحان.

فالأول حقيقة ، لأن الله هو الرافع الخافض ، والثاني مجاز ، ولكنه جائز سائغ.

__________________

(١) آية ١٠.

١٣

وحقيقته أنّ كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع ، لأنّ من خالف قوله فعله فهو وبال عليه.

وتحقيق هذا أن العمل الصالح إذا وقع شرطا في القول أو مرتبطا به فإنه لا قبول له إلا به ، وإن لم يكن شرطا فيه ولا مرتبطا به فإن كلمه الطيّب يكتب له ، وعمله الصالح يكتب عليه ، وتقع الموازنة بينهما ، ثم يحكم له بالفوز والربح والخسران.

المسألة الخامسة ـ ذكروا عند ابن عباس يقطع الصلاة الكلب ، فقرأ هذه الآية : إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه ، وهذا استدلال بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم. وقد دخل هذا في الصلاة بشروطها ، فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك من مثل ما انعقدت به من قرآن أو سنّة. وقد تعلق من رأى ذلك بقوله : يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث ، وذكرنا أن الآثار في ذلك بينة متعارضة فتبقى الصلاة على صحتها.

الآية الثانية ـ قوله تعالى (١) : (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

وقد قدمنا القول في طعام البحر وحليته في سورة المائدة (٢) والنّحل (٣) بما يغنى عن إعادته هاهنا.

__________________

(١) آية ١٢.

(٢) صفحة ٦٧٧ (القسم الثاني).

(٣) صفحة ١١٣٥ (القسم الثالث).

١٤

سورة يس

[فيها أربع آيات]

الآية الأولى ـ قوله تعالى : (يس).

فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ـ هكذا كتب على الصورة التي سطّرناها الآن ، وهي في المصحف كذلك ، وكذلك ثبت قوله : (ق) ، وثبت قوله : (ن وَالْقَلَمِ) ، ولم يثبت على التهجّى ، فيقال فيه ياسين ، ولا قيل قاف والقرآن المجيد ، ولا نون والقلم ، ولو ثبت بهذه الصورة لقلت (١) فيها قول من يقول : إن قاف جبل ، وإن نون الحوت أو الدواة ، فكانت (٢) في ذلك حكمة بديعة ، وذلك أن الخلفاء والصحابة الذين تولّوا كتب القرآن كتبوها مطلقة لتبقى تحت حجاب الإخفاء ، ولا يقطع عليها بمعنى من المعاني المحتملة ، فإنّ القطع عليها إنما يكون بدليل خبر ، إذ ليس للنظر في ذلك أثر ، والله أعلم.

المسألة الثانية ـ اختلف الناس في معناه على أربعة أقوال :

الأول ـ أنه اسم من أسماء الله تعالى ، قاله مالك ، روى عنه أشهب ، قال : سألت مالكا هل ينبغي لأحد أن يسمّى (٣) يس؟ قال : ما أراه ينبغي ، لقوله الله : يس والقرآن الحكيم ، يقول : هذا اسمى يس.

الثاني ـ قال ابن عباس : يس يا إنسان بلسان الحبشة ، وقولك (٤) يا طه يا رجل. وعنه رواية أنه اسم الله ، كما قال مالك.

الثالث ـ أنه كنى به عن النبي صلّى الله عليه وسلم قيل له يايس ، أى يا سيد.

الرابع ـ أنه من فواتح السور. وقد روى عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى

__________________

(١) في ا : لقلب.

(٢) في ش : وكانت.

(٣) في ش : يتسمى.

(٤) في ش : وقوله.

١٥

الله عليه وسلم : سمّانى الله في القرآن سبعة أسماء : محمدا ، وأحمد ، وطه ، ويس ، والمزمل ، والمدّثّر ، وعبد الله. وهذا حديث لا يصحّ ، وقد جمعنا أسماءه من القرآن والسنة في كتاب النبي.

المسألة الثالثة ـ رواية أشهب ، عن مالك : لا يسمّى أحد يس ، لأنه اسم الله ـ كلام بديع ، وذلك أنّ العبد يجوز له أن يتسمّى باسم الله إذا كان فيه معنى منه ، كقوله : عالم ، وقادر ، ومريد ، ومتكلم ، وإنما منع مالك من التسمية بهذا ، لأنه اسم من أسماء الله لا يدرى معناه ، فربما كان معناه ينفرد به الرب ، فلا يجوز أن يقدم عليه العبد إذا كان لا يعرف هل هو اسم من أسماء الباري فيقدم على خطر منه ، فاقتضى النظر رفعه عنه ، والله أعلم.

فإن قيل : فقد قال الله تعالى : (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ).

قلنا : ذلك مكتوب بهجاء فيجوز التسمية به ، وهذا الذي ليس بمتهجّى هو الذي تكلم مالك عليه لما فيه من الإشكال. والله أعلم.

الآية الثانية ـ قوله تعالى (١) : (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ).

في مسألة واحدة :

في سبب نزولها :

روى عن ابن عباس قال : كانت منازل الأنصار بعيدة من المسجد ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد ، فنزلت : (وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) ، فقالوا : نثبت مكاننا.

وروى الترمذي ، عن أبى سعيد الخدري ، أن القوم كانوا بنى سلمة ، وأنّ الآية نزلت فيهم.

وفي الصحيح أنّ بنى سلمة أرادوا أن ينتقلوا قريبا من المسجد ، فقال لهم النبىّ صلّى الله عليه وسلم : يا بنى سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، يعنى الزموا دياركم تكتب لكم آثاركم، أى (٢) خطاكم إلى المسجد ، فإنه كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم (٣) : صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته في بيته وفي سوقه سبعا وعشرين ضعفا ، وذلك أنه إذا توضّأ فأحسن الوضوء ، ثم

__________________

(١) آية ١٢.

(٢) في ش : يعنى.

(٣) صحيح مسلم : ٤٥١.

١٦

خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة ، وحطّ بها عنه خطيئة ، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّى عليه مادام في مصلّاه الذي صلى فيه : اللهم صل عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة.

الآية الثالثة ـ قوله تعالى (١) : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ).

فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى ـ كلام العرب على أوضاع : منها الخطب ، والسّجع ، والأراجيز ، والأمثال ، والأشعار. وكان النبي صلّى الله عليه وسلم أفصح بنى آدم (٢) ، ولكنه حجب عنه الشعر ، لما كان الله قد ادّخر من جعل فصاحة القرآن معجزة له ، ودلالة على صدقه ، لما هو عليه من أسلوب البلاغة وعجيب الفصاحة الخارجة عن أنواع كلام العرب اللسن البلغاء الفصح المتشدّقين اللدّ ، كما سلب عنه الكتابة (٣) وأبقاه على حكم الأمية ، تحقيقا لهذه الحالة ، وتأكيدا لها ، وذلك قوله : (وَما يَنْبَغِي لَهُ) ، لأجل معجزته التي بينّا أنّ صفتها من صفته ، ثم هي زيادة (٤) عظمى على رتبته.

المسألة الثانية ـ قد بينا فيما سبق من أوضاعنا في الأصول وجه إعجاز القرآن وخروجه عن أنواع كلام العرب ، وخصوصا عن وزن الشعر ، ولذلك (٥) قال أخو أبى ذرّ لأبى ذر : لقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها ، ولا دخل في بحور العروض الخمسة عشر ، ولا في زيادات المتأخرين عليها ، لأنّ تلك البحور تخرج من خمس دائر : إحداها ـ دائرة المختلف ينفكّ منها ثلاثة أبحر : وهي الطويل ، والمديد ، والبسيط ، ثم تتشعب عليها زيادات كلها منفكّة.

الدائرة الثانية ـ دائرة المؤتلف ينفك منها بحر الوافر ، والكامل ، ثم يزيد عليها زيادات لا تخرج عنها.

__________________

(١) آية ٦٩.

(٢) في ش : ولد.

(٣) في ش : الكتاب.

(٤) في ا : بزيادة.

(٥) في ش : وكذلك. (٢ ـ أحكام ـ ٤).

١٧

الدائرة الثالثة ـ دائرة المتفق ، وينفكّ منها في الأصل الهزج ، والرجز ، والرمل ، ثم يزيد عليها ما يرجع إليها.

الدائرة الرابعة ـ دائرة المجتثّ يجرى عليها ستة أبحر : وهي السريع ، والمنسرح ، والخفيف ، والمضارع ، والمقتضى ، والمجتثّ ، ويزيد (١) عليها ما يجرى معها في أفاعيلها.

الدائرة الخامسة ـ دائرة المنفرد ، وينفكّ منها عند الخليل والأخفش بحر واحد : وهو المتقارب ، وعند الزجاج بحر آخر سموه المجتث (٢) والمتدارك وركض الخيل.

ولقد اجتهد المجتهدون في أن يجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه الأوزان فلم يقدروا ، فظهر عند الولىّ والعدو أنه ليس بشعر ، وذلك قوله : (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). وقال (٣) : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ).

المسألة الثالثة ـ قوله : (وَما يَنْبَغِي لَهُ) تحقيق في نفى ذلك عنه.

وقد اعترض جماعة من فصحاء الملحدة علينا في نظم القرآن والسنّة بأشياء أرادوا بها التلبيس على الضعفة ، منها قوله (٤) : (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ، وقالوا : إنّ هذا من بحر المتقارب ، على ميزان قوله :

فأمّا تميم تميم بن مر

فألفاهم القوم رءوسا نياما

وهذا إنما اعترض به الجاهلون بالصناعة ، لأن الذي يلائم هذا البيت من الآية قوله : فلما ... إلى قوله «كل». وإذا وقفنا عليه لم يتم الكلام. وإذا أتممناه بقوله : (شَيْءٍ شَهِيدٌ) خرج عن وزن الشعر ، وزاد فيه ما يصير به عشرة أجزاء كلها على وزن فعولن ، وليس في بحور الشعر ما يخرج البيت منه من (٥) عشرة أجزاء ، وإنما أكثره ثمانية.

ومنها قوله (٦) : (وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) ، ادّعوا أنه من بحر الوافر ، وقطّعوه : مفاعيل مفاعيل فعولن مفاعيل مفاعيل فعولن ، وهو على وزن قول الأول :

__________________

(١) في م : ويجرى عليها ما يجرى.

(٢) في ا : المحدث.

(٣) سورة الحاقة ، آية ٤١.

(٤) سورة المائدة ، آية ١٢٠.

(٥) في ا : ما يخرج البيت عن.

(٦) سورة التوبة ، آية ١٥.

١٨

لنا غنم نسوقها غزار

كأنّ قرون جلّتها العصىّ

وعلى وزن قول الآخر :

طوال قنا يطاعنها قصار

وقطرك في ندى ووغى بحار

وهذا فاسد من أوجه :

أحدها ـ أنه إنما كانت تكون على هذا التقدير لو زدت فيها ألفا بتمكين حركة النون من قوله مؤمنين ، فتقول مؤمنينا.

الثاني ـ أنها إنما تكون على الروى بإشباع حركة الميم في قوله : «ويخزهم» ، وإذا دخل عليه التغيير لم يكن قرآنا ، وإذا قرئ على وجهه لم يكن شعرا.

ومنها قوله (١) : (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ) ، زعموا أنه موافق بحر الرجز في الوزن ، وهذا غير لازم ، لأنه ليس بكلام تام ، فإن ضممت إليه ما يتمّ به الكلام خرج عن وزن الشعر.

ومنها قوله (٢) : (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ). زعموا أنه من بحر الرجز ، كقول الشاعر امرئ القيس :

رهين معجب بالقينات

وهذا لا يلزم من وجهين :

أحدهما ـ إنما يجرى على هذا الروى (٣) إذا زدت ياء بعد الباء في قولك كالجوابى ، فإذا حذفت الياء فليس بكلام تام ، فيتعلق به أنه ليس على وزن شيء.

ومنها قوله (٤) : (قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ) ، فقالوا : هذه آية تامة ، وهي على وزن بيت من الرّمل ، وهذه مغالطة ، لأنه إنما يكون كذلك بأن تحذف من قولك لا تستأخرون قوله : «لاتس» وتوصل (٥) قولك يوم بقولك تأخرون ، وتقف مع ذلك على النون من قولك تأخرون ، فتقول تأخرونا بالألف ، ويكون حينئذ مصراعا

__________________

(١) سورة الشعراء ، آية ٣٥.

(٢) سورة سبأ ، آية ١٣.

(٣) في ا : القوى ، وهو تحريف

(٤) سورة سبأ ، آية ٣٠.

(٥) في م : وتصل.

١٩

ثانيا ، ويتمّ المصراعان بيتا من الرمل حينئذ ، ولو قرئ كذلك لم يكن قرآنا ، ومتى قرئت الآية على ما جاءت لم تكن على وزن الشعر.

ومنها قوله (١) : (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً). وهذا موضوع على وزن الكامل من وجه ، وعلى روىّ الرجز من وزن آخر ، وهذا فاسد ، لأن من قرأ عليهم وزن الكامل من وجه ، وعلى روىّ الرجز من وزن آخر ، وهذا فاسد ، لأن من قرأ عليهم بإسكان الميم يكون على وزن فعول ، وليس في بحر الكامل ولا في بحر الرجز فعولن بحال ، ومن أشبع حركة الميم فلا يكون بيتا إلا بإسقاط الواو من دانية ، وإذا حذفت الواو بطل نظم القرآن.

ومنها قوله (٢) : (وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) ، زعموا ـ أرغمهم الله ـ أنها من بحر الرّمل ، وأنها ثلاثة أبيات كلّ بيت منها على مصراع ، وهو من مجزوّه على فاعلات فاعلات ، ويقوم فيها فعلات مقامه ، فيقال لهم : ما جاء في ديوان العرب بيت من الرمل على جزأين ، وإنما جاء على ستة أجزاء تامة كلّها فاعلات أو فعلات أو على أربعة أجزاء كلها فاعلات أو فعلات ، فأما على جزأين كلاهما فاعلات فاعلات فلم يرد قطّ فيها ، وكلامهم هذا يقتضى أن تكون كلّ واحدة من هذه الآيات على وزن بعض بيت ، وهذا مما لا ننكره ، وإنما ننكر أن تكون آية تامة ، أو كلام تام من القرآن على وزن بيت تامّ من الشعر.

فإن قيل : أليس يكون المجزوّ والمربع من الرمل تارة مصرّعا وتارة غير مصرع ، فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات الثلاث من المجزو والمربع المصرع من الرمل.

قلنا : إنّ البيت من القصيدة إنما يكون مصرعا إذا كان فيه أبيات أو بيت غير مصرع ، فأما إذا كانت أنصاف أبياته كلها على سجع واحد وكلّ نصف منها بيت برأسه فقد بينا أنه ليس في الرمل ما يكون على جزأين ، وكل واحد من هذه الآيات جزآن ، فلم يرد على شرط الرمل.

ومنها قوله تعالى (٣) : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ). وهذا

__________________

(١) سورة الإنسان ، آية ١٤.

(٢) سورة الانشراح ، آية ٢.

(٣) سورة الماعون ، آية ١.

٢٠